-1-

في خضم المعركة

جلستُ في غرفة الانتظار أتأمّل الرزنامة على مكتب موظّفة الاستقبال. كان تاريخ ذاك اليوم 15 تشرين الأوّل/أكتوبر 2002م.

وفي مقعدي، رحتُ أفكِّـر:

       إنشالله تكون المرشدة النفسيّة منيحة

       قالولي إنّها أجنبيّة،

       وإنو عندها دكتوراة في الإرشاد النفسي من جامعة أمريكية مشهورة

       يا ربّ إنها تقدر تساعدني أخلص من مشكلة وزني

يا ربّ، إنت عارف إني بتألّم

صار عمري أربعين وبعدك يا ربي ما حققت أمنيتي بأن أصير نحيفة!

والله إني تعبت من ...

                    

قطعت موظفة الاستقبال حبل أفكاري وحواراتي الداخلية التي لا تنتهي، وطلبت مني دخول غرفة المرشدة النفسيّة.

في تلك الغرفة النظيفة المضيئة، وقفت امرأة في الأربعين من العمر، وصافحتني قائلة:

-         مرحبًا راية. (لقد أخطأت المرشدة النفسيّة في لفظ اسمي، شأنها شأن كل الأجانب الذين قابلتُهم والذين يجدون صعوبة في لفظ الهمزة في آخر اسمي. إلّا أنّي أحببت الاسم، فآثرت عدم تصحيحه).

-          مرحبًا دكتورة بيل ...

 

________________________________________________

 

-9-

إدارة المعهد

-         صباح الخير، كيف حالك اليوم، يا راية؟

رحت أتذمر حتى قبل أن أجلس على مقعدي:

-         صباح النور يا دكتورة. حالي هو الحال ذاته كل يوم: أتنقل من جهة إلى أخرى لتلبية احتياجات جميع من حولي ومتطلباتهم ابتداءً بعائلتي، ومرورًا بموظفي المعهد وطلبته، ثم الأقارب والأصدقاء، وانتهاءً بخادمة المنزل وحتى البستاني!

-         اسمحي لي بأن أسألك يا راية: لماذا أنتِ حريصة على تلبية احتياجات الآخرين؟

أجبت عن سؤالها بكلّ صدّق وعفويّة:

-         لأني لا أستطيع أن أرفض طلبًا لأحد، ولا سيَّما أني معروفة بلطفي وتعاوني. كما أنه يسعدني أن أكون تلك المرأة التي تحظى بمحبة وإعجاب كلّ من حولها.

رفعتْ الدكتورة بيل حاجبيّها مبيّنةً بعض الحيرة وقالت:

-         ألا تدركين، يا راية، أنّ السعي وراء إرضاء الناس أو إثارة إعجابهم أمر مجهد جدًا؟

اعترضتُ بشدّة:

-         ولكن أسلوبي هذا ساعدني على كسب محبّة الناس والنجاح في عملي.

-         صحيح. ولكن لهذه الصفة مساوئها أيضًا، لا سيَّما لدى الأشخاص الذي يعانون اضطرابات سلوكيّة. فمثلاً، كثير من نوبات نهم الطعام التي تجتاحك قد تكون نتيجة لمشاعر الإحباط (أو حتى الابتهاج) التي تصيبك خلال سعيك إلى الفوز برضى الآخرين وإعجابهم. يا راية، يجب أن تفهمي جيدًا أنه حينما نعطي الآخرين الحق بأن يمنحونا السعادة أو الثقة بأنفسنا، نكون- أيضًا- قد أعطيناهم الحق في أن يُزعزعوا ثقتنا بأنفسنا ويفسدوا سعادتنا. أرجوك أن تتذكّري دوماً أنّ مشاعر الناس وآراءهم كثيراً ما تكون نابعة من آرائهم الخاصّة، ومصلحتهم الشخصيّة. قلّما تجدي أشخاصًا يُبدون رأيهم بموضوعية وصدقيّة تامّتَين. لذلك أريدك ألاَّ تسمحي للآخرين بالتحكّم في أحاسيسك وأفكارك وثقتك بنفسك، أو بالتشويش على خططك وأهدافك.

صمتت الدكتورة بيل لبرهة، ثم استطردت بنبرة آمرة ...

 

_____________________________________

 

-15-

نقطة التحول

 

وكأني على موعد، قفزتُ من فراشي مبكرًا في صباح اليوم التالي وتوجهت إلى غرفة المعيشة وأدرت جهاز التلفاز. وإذ بأوﭘرا وينفري تناقش في برنامجها المعروف موضوع الأكل العاطفي مع مجموعة من النساء اللواتي أكدّن أنّهن تمكَّن من التغلّب على مشكلة إفراطهن في الطعام بعدما اختبرن يقظة روحانيّة.

شدني الموضوع بقوة، فرفعت صوت التلفاز ورحت أستمع إلى النساء وهنَّ يتحدّثن عن أهمِّية قراءة الكتب الروحانيّة والفلسفيّة وكتب المساعدة الذاتيّة لتحقيق هذه اليقظة، التي، بحسب قولهنّ، حرّرتهنّ من الأحزان والمخاوف، وغيّرت مجرى حياتهنّ.

وسرعان ما لمع في عقلي حلّ لمشكلتي! فقد ألهمتني هذه الحلقة ضرورة اختبار يقظة روحانيّة. ولم أملك حينذاك إلّا أن أفسّر أنّ مشاهدتي لتلك الحلقة كانت استجابة سريعة للدعوات الصادقة التي أطلقتها في الليلة السابقة.

ومنذ ذلك اليوم، تكوَّن لديّ اقتناع مطلق بأنّ الله، سبحانه وتعالى، يرسل إلينا إشارات تحتوي على حلول لمشكلاتنا. إلّا أنّ الكثير من هذه الإشارات تمرّ من دون أن نلحظها لأنّنا نكون قد ركّزنا تفكيرنا على حلول معيّنة، مقفلين الباب أمام حلول أخرى لم تخطر ببالنا.

إنّها إشارات إمّا نستفيد منها وإمّا نهدرها.

وقررت أن أستفيد منها ...

 

____________________________________________-

 

 

-24-

 صمام أماني

 

قرّرت عدم اللجوء إلى مرشدة نفسيّة أخرى بدلاً من الدكتورة بيل؛ لأنّي اكتشفت نفسي جيدًا، وفهمت مواطن ضعفي وقوّتي، وصرت قادرة على تحديد المواقف والذكريات وكذلك الأشخاص، الذين يسبّبون لي التوتّر والقلق والانزعاج.

       وبناءً على ذلك، بذلتُ جهودًا كبيرة لتجنّب المحفّزات السلبيّة من حياتي أو تقليلها أو حتى إلغائها؛ فسعيت إلى تحصين نفسي من الداخل عبر تعمّقي في فهم الأنماط السلوكيّة العديدة للناس، وتعزيز الفكر الإيجابي والواقعي لديّ. كما أنّي واظبت على ممارسة التمارين الرياضيّة والقراءة بشكل شبه يومي، الأمر الذي مكّنني من تثبيت وزني والمحافظة على رشاقتي وحيويّتي مدّةً قاربت العام.

غير أنّي لا بدّ أن أعترف بأنّي كنت أفقد قوّة إرادتي في المناسبات الاجتماعيّة، ولا سيَّما في موسم عيد الميلاد المجيد، ورأس السنة الميلاديّة، والعطلة الصيفيّة. فعلى الرّغم من محاولاتي المضنيّة لضبط نفسي، فإنّ الحلويات كانت دائمًا تهزمني. ونتيجة لذلك، كنت أكتسب بضع كيلوغرامات في تلك الفترات.

ولكن، لحسن الحظّ، كان صمّام الأمان الذي تبقَّى لديّ- وأعني مربط المعدة- يتدخّل دائمًا في الوقت المناسب، فيحول دون تفاقم المشكلة. فقد كنت أذهب إلى الطبيب وأطلب منه تضييق المربط إلى الدرجة التي تسمح للسوائل فقط بالمرور عبره. ولم يخذلني صمّام أماني يوماً! ففي غضون أسبوعَين فقط، كنت أخسر الوزن الذي اكتسبته. وتبعًا لذلك، كنت أستعيد راحة بالي واستأنف النظام الصحي الذي أتبعه.

إلّا أنّ شهر العسل بيني وبين المربط لم يستمرّ.

ففي السنة الثالثة، عانيت أوجاعًا متواصلة في البطن ممّا استدعى خضوعي لعمليّة تنظير للمعدة. وقد صلّيت حينها ألاّ يكون سبب هذه الأوجاع مربط معدتي، ولكن صلواتي لم تُستجَبْ؛ إذ تبيَّن أنّ جزءًا من المربط كان قد اخترق جدار معدتي.

حزنت- وغضبت- كثيرًا عندما أعلمني الطبيب بوجوب الخضوع لعمليّة جراحيّة فوريّة لإزالة المربط ...